فخر الدين الرازي
173
تفسير الرازي
ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ، ومزيد الخضوع والانقياد فقال : * ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ) * أما قوله : * ( ألم تر ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الرؤية قد تجئ بمعنى رؤية البصيرة والقلب ، وذلك راجع إلى العلم ، كقوله : * ( وأرنا مناسكنا ) * ( البقرة : 128 ) معناه : علمنا ، وقال : * ( لتحكم بين الناس بما أراك الله ) * ( النساء : 105 ) أي علمك ، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء : ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف ، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية ، ويجوز أن نقول : كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية ، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم . المسألة الثانية : هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته ، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه ، كقوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) * ( الطلاق : 1 ) . المسألة الثالثة : دخول لفظة * ( إلى ) * في قوله تعالى : * ( ألم تر إلى الذين ) * يحتمل أن يكون لأجل أن * ( إلى ) * عندهم حرف للانتهاء كقولك : من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم ، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه ، فحسن من هذا الوجه دخول حرف * ( إلى ) * فيه ، ونظيره قوله تعالى : * ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) * ( الفرقان : 45 ) . أما قوله : * ( إلى الذين خرجوا من ديارهم ) * ففيه روايات أحدها : قال السدي : كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم ؟ فقال نعم فقيل